الخطيب الشربيني

337

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

تنبيه : دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأن الأمر للوجوب قالوا : وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها فتجب في التشهد آخر الصلاة أي : بعده وهو مذهب الشافعي ، وإحدى الروايتين عن أحمد فالقائل بوجوبها في العمر مرة في غيرها محجوج بإجماع من قبله ، ولحديث كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال : « قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إلى آخره » « 1 » وقيل : تجب كلما ذكر ، واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية لقول جابر : « إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم رقى المنبر فلما رقى الدرجة الأولى قال : آمين ، ثم رقى الثانية فقال : آمين ثم رقى الثالثة فقال : آمين فقالوا : يا رسول الله سمعناك تقول : آمين ثلاث مرات فقال : لما رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل فقال : شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له فقلت : آمين ، ثم قال : شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فقلت : آمين ، ثم قال : شقي عبد ذكرت عنده ولم يصل عليك فقلت : آمين » « 2 » ، وفي رواية رقى المنبر فقال : آمين آمين آمين قيل : يا رسول الله ما كنت تصنع هذا فقال : قال لي جبريل : رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما لم يدخلاه الجنة فقلت : آمين ، ثم قال رغم أنف عبد دخل عليه رمضان لم يغفر له فقلت : آمين ، ثم قال : رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت : آمين » « 3 » ، وكذلك قوله : وَسَلِّمُوا أمر فيجب السلام ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا في التشهد سلام عليك أيها النبي إلخ ، وذكر في السلام المصدر للتأكيد ولم يذكره في الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وأقل الصلاة عليه اللهم صل على محمد ، وأكملها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وأولادهما . فائدة : كل الأنبياء من بعد إبراهيم عليه السّلام من ولده إسحاق إلا نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فإنه من نسل إسماعيل ، ولم يكن من نسله نبي غيره وخص إبراهيم عليه السّلام بالذكر لأن الرحمة والبركة لم يجتمعا لنبي غيره فقال الله تعالى : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [ هود : 73 ] . فإن قيل : إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا ؟ أجيب : بأن الصلاة عليه ليست لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله تعالى عليه وإنما هو إظهاره وتعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه ، ولهذا قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا » « 4 » ، وفي رواية أخرى : وملائكته سبعين ، وتجوز الصلاة على غيره تبعا له وتكره استقلالا لأنه في العرف صار شعارا لذكر الرسل ولذلك كره أن يقال لمحمد عز وجل ، وإن كان عزيزا جليلا .

--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل . ( 2 ) أخرجه ابن حبان في صحيحه 2 / 140 ، وابن خزيمة في صحيحه 3 / 192 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 2 / 139 . ( 3 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 4 / 153 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 / 139 . ( 4 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل .